خليل الصفدي
375
أعيان العصر وأعوان النصر
وبعد هذا ما خلص ابن بنت الأعز من ضرب العنق إلا ابن دقيق العيد ؛ لأن الوزير شمس الدين بن السلعوس لما عمل على ابن بنت الأعز وعزله ، وعمل محاضر بكفره ، وأخذ خط الجماعة على المحاضر ، ولم يبق إلا خط ابن دقيق العيد ، أرسل إليه المحاضر مع النقباء ، وقال : يا مولانا ، الساعة تضع خطك على هذه المحاضر ، فأخذها وشرع يتأملها واحدا واحدا ، والنقباء من القلعة يتواترون بالحث والطلب والإزعاج ، وأن الوزير والسلطان في طلب ذلك ، وهو لا ينزعج ، وكلما فرغ محضرا دفعه إلى الآخر ، وقال : ما أكتب فيها شيئا ، قال الشيخ فتح الدين : فقلت أنا : يا سيدي لأجل السلطان والوزير ، فقال : أنا يا سيدي لأجل السلطان والوزير ، فقال : أنا ما أدخل في إراقة دم مسلم ، قال : فقلت : فكيف كنت تكتب خطك بذلك ، وبما يخلص فيه ، فقال : يا فقيه ما عقلي عقلك ! هم ما يدخلون إلى السلطان ، ويقولون : قد كتب فلان بما يخالف خطوط الباقين ، وإنما يقولون : قد كتب الجماعة ، وهذا خط ابن دقيق العيد ، فأكون أنا السبب الأقوى في قتله ، قال : فأبطل ذلك عملهم ، وسكن سورتهم ، وأطفأ شواظ نارهم ، قال شيخنا أبو الفتح : وما كان الشيخ تقي الدين يعجبه من يقول : قاضي القضاة الشافعي ، فإذا قلنا : قاضي القضاة الشافعية قال : إيه هذا ! . وأخبرني شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء قال : قال لي يوما الشيخ تقي الدين : قول أبي الطيب : ( الكامل ) أو كان صادف رأس عازر سيفه * في يوم معركة لأعيا عيسى في هذا شيء غير إساءة الأدب ، ففكرت ساعة ، ثم قلت : نعم ، كون الموت ما يتفاوت إن كان بالسيف أو بغيره ، فالإحياء من الموت سبيل واحدة ، فقال : أحسنت يا فقيه ، أو كما قال . قال لي شيخنا شهاب الدين : ما رأيت في أهل الأدب مثله ، وناهيك بمن يقول مثل الشهاب محمود في حقه مثل هذا ، وقد كان شيخ الأدب في زمانه ، ووقفت أنا له على كتاب كتبه إلى قاضي القضاة شهاب الدين الخويي شافعا ومتشوّقا : يخدم المجلس لا زال حافظا لأحكام الجود ، محفوظا بضمان اللّه في ضمن السعود ، محروس العزم من دواعي الهوى ، والعز من دعاوي الحسود ، مقابل وجه الرأي بمرآة الحق مولي جناب الباطل جانب الصدود ، ولا برح على العفاة سحائب كرمه ، ويروي الرواة من بحار علوم تمد من قلمه ، ويجلو أبكار الأفكار مقلدة بما نظم السحر من حلي كلمه ، ويبرز خفيات المعاني منقادة بأيد ذهنه وأيدي حكمه ، ويسمو إلى غايات المعالي حتى يقال : أين سموّ النجم من هممه ، ويسبغ من جمال فضله وجميله ، ما يبصره الجاهل على عماه ، ويسمعه الحاسد على صممه ، وينهى من ولائه ما يشهد به ضميره الكريم ، ومن ثنائه ما هو أطيب من ودائع الروض في